زواج السلطة والمال في تونس: أثرياء جدد وبطريقة جنونية يصعدون.. وطبقة وسطى تختفي! - Tunisia Today - تونس اليوم

Français | عربي

- إعلان -

زواج السلطة والمال في تونس: أثرياء جدد وبطريقة جنونية يصعدون.. وطبقة وسطى تختفي!



بقلم الباحث في علم الإجتماع في "جامعة تونس" : فؤاد غربالي

تونس اليوم - رأي: الشعور السائد اليوم في تونس هو أن “الطبقة الوسطى”، مفخرة دولة الاستقلال والقوة الحية للبلاد، بصدد التآكل والتدحرج نحو القاع، أي نحو الفقر والهشاشة وعدم القدرة على مجاراة النسق السريع ” لمجتمع الإستهلاك”. مقابل ذلك، تصعد “طبقة الأثرياء الجدد”، وهي طبقة شبيهة بتجار الحروب الذين يستغلون الأزمات الكبرى لصالحهم ويستثمرون في الخوف والشعور الدائم باللايقين.
إذا كانت “الطبقة المتوسطة” قد تشكلت ضمن سردية المشروع الوطني الذي إنبنى على شعارات كبرى تمثلت أساساً في “إعادة البناء الوطني” و”تحقيق التنمية” و”الخروج من التخلف”، فإنّ الأثرياء الجدد هم على النقيض تماماً من جملة القيم التي ارتبطت بالمشروع الوطني، إذ يتموقعون في نسق قيمي مختلف وضمن بنية مختلفة ترتبط بشبكة معقدة من التداخلات بين النطاقات السياسية والإدارية والاقتصادية التي يهيكلها الفساد والمصالح المشتركة التي تعمل في الظل بعيداً عن المراقبة المؤسساتية. ولعلّ ما يزيد من الحدة هو إنخراط الاقتصاد الوطني منذ بداية السبعينيات، وإنْ بنسق محدود حتى منتصف الثمانينيات، في إقتصاد السوق الليبرالي دون أن تقابل ذلك الانخراط مؤسسات رقابية قوية من قبيل إعلام مستقل وصحافة حرة ومؤسسات رقابية مستقلة ومجتمع مدني مهيكل، ما دفع إلى تشكل مصالح ولوبيات مالية ستبرز سطوتها أكثر بعد 14 جانفي/كانون الثاني 2011. فالتحوّل النوعي الذي عرفه “الاقتصاد السياسي للفساد” في تونس هو أنّ النظام السلطوي لبن علي كان يدير الفساد ويضع له هوامش وحدوداً للحركة في إطار تحقيق منافع مشتركة مع القوى المالية، في حين أنّ ما يحدث بعد “14 جانفي” هو العكس تماماً، حيث تتنفذ القوى المالية  لتجعل السياسة تحت سطوتها أي على نحو تتحدد فيه الخيارات والتحالفات عبرها، فالأحزاب في ظل سوق سياسية مفتوحة تُبيّن أنها تحتاج أكثر إلى ممولين يدفعون بسخاء منه إلى إيديولوجيا وبرامج إنتخابية. بالتالي، كي نفهم جدلية تآكل “الطبقات الوسطى” وصعود “طبقة الأثرياء الجدد” لا بد من فهم الكيفية التي تتقاطع عبرها آليات السلطة والتحكم مع آليات الفساد، بما هي علاقة تبادلية من أجل مراكمة المكاسب وتحقيق الثراء السريع.
يستفيد الأثرياء الجدد من المضاربات العقارية، واحتكار السلع، والتهريب، وتجارة الأسلحة، والسمسرة من كل نوع، والتهرب الضريبي، وتبييض الأموال. ويعوّلون في كل ذلك على الانخراط في شبكات معقدة من الفاعلين التي تشتغل في ذات الوقت على هامش القوانين، ومن خلالها، وتتوفر أيضاً على حماية دوائر من داخل الأجهزة الرسمية. أما من ناحية الرساميل الثقافية والقيمية، فطبقة الأثرياء الجدد لا تعتقد كثيراً في قيم الجهد والعمل، فما يعنيها هو “تدبير الذات” بكل الطرق الممكنة ولا يهم إنْ كانت الأموال التي تراكمها هي “أموال وسخة” أم لا. ما يعنيها فقط هي الواجهة، أي واجهة الثراء، لذا هي تنخرط بقوة في الممارسات الاستهلاكية التفاخرية، ولا تعمل على خلق الثروة ولا تُقدّم أي قيمة إضافية، فهي نتيجة خلل في البناء الإقتصادي نفسه ونتيجة لعملية إعادة تشكيل لدور الدولة في سياق الليبرالية الجديدة، حيث لم تعد الدولة ممثلةً للمصلحة الجماعية بقدر ما هي راعية للمصالح الخاصة ويتم هذا الأمر على حساب بقية الفئات الإجتماعية وبشكل خاص الطبقة المتوسطة. في ظل هذا المشهد، يتزايد العنف من كل نوع ولا يبقى من بد أمام السلطات سوى إدارته عبر سياسات عقابية وأمنوية.
الأثرياء الجدد: لقطاء النظام
تشير الأرقام التي تصدرها تقارير متقاطعة أنّ تونس تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد أصحاب المليارات (يفوق عددهم الستة آلاف ميلياردير)، وهم كانوا يمثلون 16.2 بالمئة سنة 2013، وذلك في ظل أزمة إقتصادية بنيوية ونسبة فقر تفوق 25 بالمئة ونسبة بطالة تفوق 15 بالمئة بحسب المصادر الرسمية، علاوة على عجز الميزان التجاري وتهرؤ الصناعات المشغلة بسبب المنافسة الاقتصادية الشرسة من قبل تركيا والصين، فالسوق التونسية هي سوق مفتوحة دون إجراءات حمائية، وضعف الأجهزة الرقابية وتورط الكثير منها في الرشوة هو ما جعل تونس في هذا الصدد تحتل المرتبة الخامسة عالمياً في مجال تبييض الأموال ومراتب متأخرة في ما يتعلق بالشفافية والحوكمة، رغم الشعارات الفضفاضة المتعلقة بالحرب على الفساد (التي يبدو أنها قد أصبحت في هذا المستوى مكوّن مهيكل لتحولات المجتمع التونسي حيث تؤثر في تغير الوضعيات والأنساق).
عندما نقارن حجم الأموال المتدفقة والمتحركة خارج الرقابة المالية القانونية وحجم نسب الفقر البطالة والتفقير الذي تتعرض له الطبقة المتوسطة، نفهم أنّ “الإثراء الموغل في التوحش” ليس من الممكن أن يتعايش مع أي محاولة لإعادة التوزيع العادل للثروة، وفي هذا المستوى تحديداً يصبح الصراع السياسي المتصاعد حالياً في تونس، في جزء منه، تجلٍ لصراعات تقودها قوى مالية صاعدة تبحث عن التموقع وتثبيت سطوتها داخل المنظومة القائمة. لذا، فالتحالفات الموجودة ليست فقط بين قوى سياسة حزبية، بل هي قائمة أساساً بين تلك القوى المالية الجديدة، التي لا أحد يعرف مصادر أموالها، وبين مقاولين سياسيين، وهنا تحديداً يبرز التقاطع بين الثراء والسلطة والفساد.
احتجاجات شتاء 2011 التي أطاحت ببن علي، وضعت في دائرة الضوء، الكيفية التي تطورت من خلالها الطبقة المهيمنة التي تشكلت في ظل نظامه حيث نشأت مجموعات مالية مختلفة عن “البرجوازية التقليدية” لدولة الاستقلال التي تشكلت من موظفين ومجموعة من العائلات الأرستقراطية. فالمجموعات المالية الجديدة تشكلت كمجموعات شللية تمحورت حول الرئيس والعائلات المقربة منه، واعتمدت على البوليس والقضاء وبقية الأجهزة القمعية للدولة من أجل الإبتزاز وفرض الصمت على كل من يهدد مصالحها، وكانت تستفيد من قربها من السلطة الذي يمنحها امتيازات كثيرة تتمثل بشكل خاص في التسهيلات المبالغ فيها في ما يتعلق بالإقراض البنكي وبشكل خاص من قبل البنوك العمومية. مقابل ذلك، كانت القوى الغربية تدفع بإدراج الإقتصاد المحلي ضمن إقتصاد السوق الليبرالية المعولمة، ولكنها بالتوازي كانت تصمت عن انتهاكات حقوق الإنسان وغياب الحوكمة والفساد في مقابل أن يحمي النظام المصالح الغربية المتمثلة أساساً في منع، قدر الإمكان، تدفقات المهاجرين السريين، وأن ينخرط بفاعلية في الحرب ضد الإرهاب، وهذا ما يؤكد أن الانخراط في منظومة نيوليبرالية في ظل غياب أجهزة رقابة قوية، ومن دون ثقافة وقيم المواطنة، لا ينتج سوى تمايزات وأشكال فجة من اللامساواة التي يغذيها الفساد.
غير أنّ هذه الفرضية الأخيرة تظل محدودة إذا ما تأملنا السياق الحالي في تونس ما بعد الدولة التسلطية. فوجود الديموقراطية والتعددية الحزبية وحرية التعبير لا يعني بالضرورة التخلص من المنظومات السابقة بسهولة، بل قد يكون الأمر عكس ذلك تماماً، إذ من مفارقات ما يُعرف بالانتقال الديموقراطي الذي عرفته تونس وبعض بلدان الربيع العربي أنّ الأسباب التي أنتجت الإحتجاجات، البطالة والفساد أساساً، قد تعمقت وازدادت حدة، فالشعور والتمثل الجماعي الذي أصبح سائداً في تونس هو أن الفقراء قد إزدادوا فقراً وأنّ منسوب الفساد صار مرتفعاً. وهذا ما شكل إحباطات عدة للفئات التي اعتقدت أن سقوط بن علي سيغيّر من وضعها، خاصةً أنّ القوى الإجتماعية التي ثارت ضد النظام كانت قد تشكلت كحركة إجتماعية ولكن من دون برنامج سياسي يجعلها تصل إلى الحكم. وهذا أمر استثمره الإسلاميون بشكل جيّد، ولكن أيضاً استثمره النظام القديم وقواه المتحالفة، بخاصةً تلك المرتبطة بشبكات الفساد القديم والتي تمتلك النفوذ داخل أجهزة الدولة من أمن وإدارة، وقد استطاعت أن تُعيد تشكيل نفسها مستثمرةً في السياق الجديد بما في ذلك حرية التعبير والتعددية الحزبية. فقد خلقت شبكات معقدة من الزبونية الحزبية والجمعياتية حيث التمويل الذي يتأتى من “التجار الأصدقاء”، بل إنّ القوى المالية الجديدة قد أصبحت تتحكم في وسائل وأجهزة إعلامية، وهذا تحوّل نوعي إذ إنّ الإعلام في تونس قد تحوّل من سيطرة النظام إلى سيطرة القوى المالية الجديدة.
كل ذلك لا يمكن فهمه إلا في علاقة مع التوجه النيوليبرالي الذي تسير فيه تونس بعد “14 جانفي” تحت وطأة اشتراطات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والممولين الدوليين الحريصين على عدم تغيير السياسة الاقتصادية للبلاد في إتجاه مزيد من العدالة الإجتماعية، بل بما يخدم توجهات قوى السوق، وهذا أمر تستفيد منه على نحو أو آخر القوى المالية الجديدة التي تتحرك في بيئة محلية مملوءة بالثغرات من كل نوع، أهمها إضعاف جهاز الدولة بماهو آلية تعديلية، وهي الفجوة التي يتسرب منها الفساد والأثرياء الجدد ويُصنع في ظلها الفقراء الجدد.
الطبقات المتوسطة في عاصفة الفقر الجديد
تنامي الفوارق الإجتماعية وصعود “الأثرياء الجدد” في تونس ما بعد الدولة التسلطية، يدعم فرضية أنّ الخيار النيوليبرالي الذي تتوخاه تونس بدعم من شركائها الدوليين والمتمثل أساساً في دعم تخلي الدولة، إنّما يشكل أرضية خصبة لتنامي الفساد وصعود الشبكات المالية الجديدة. فالنيوليبرالية بما هي مرحلة من مراحل النظام الرأسمالي قد بنيت على عقلانية خاصة، حيث يتم ربط جميع نطاقات المجتمع بمنطق السوق العالمي للرساميل وبسياسات جديدة كبرامج إعادة الهيكلة التي عرفتها تونس منذ الثمانينيات ومخططات التقشف (تسميها حكومة يوسف الشاهد بالإصلاحات الكبرى)، إضافة إلى إعادة تشكيل عالم العمل بما يجعله يتسم بالهشاشة والمرونة، علاوة على تدمير الدولة الإجتماعية.
في هذا الصدد، تُتَرجم المنظومة النيوليبرالية بطفرة نوعية للفساد الذي يصبح هو الغالب عبر أشكال متعددة، وهذا التحول النوعي يأتي كنتيجة حتمية لتدمير الآليات التعديلية للدولة التي تتحول في ظل الليبرالية الجديدة، مثلما يؤكد المفكر الأميركي دافيد هارفي، إلى دولة معادية بالضرورة لكل صيغ وأشكال التكافل الإجتماعي التي تضع قيوداً على تراكم رأس المال. ولذا، يتم في تونس اليوم تأديب الحركات الإجتماعية والعمل بقوة من قبل المستفيدين من المنظومة الحالية على التشويه الإعلامي للإتحاد العام التونسي للشغل وإضعاف النقابات، وتحميل كامل المسؤولية إلى الأفراد وحدهم، الذين أصبحوا متروكين إلى حسابهم على نحو يجعلهم يدبرون أمرهم بأنفسهم، ما يخلف تأثيرات مضاعفة الضرر خصوصاً عندما تصبح الموارد الشخصية المستمدة من عالم العمل شحيحة.
ومع إنسحاب الدولة من التكفل بمسألة الرعاية الإجتماعية وتقليص دورها في مجال الخدمات العمومية المتعلقة بالصحة والتعليم والنقل والبنية التحتية، فهي تترك، باضطراد، قطاعات واسعة للفقر والحاجة وتكرس تبعية الطبقات الوسطى إلى الإقتراض البنكي (أكثر من نصف العائلات التونسية تقتات على قروض استهلاكية من البنوك). كما أنّ تفكك شبكة الأمان الإجتماعي قد دفع بالنظام الحالي إلى إنتاج خطاب إعلامي يؤكد على المسؤولية الشخصية، ويعزو الفشل إلى عيوب شخصية ويحمّل المسؤولية للضحايا، وهو ما يحدث عادة بخصوص البطالة والهجرة السرية والإنقطاع المدرسي، فالمشكلات الإجتماعية تغدو مشكلات فردية، وهذه إستراتيجية خطابية للتغطية على التأثيرات السلبية للسياسات والاختيارات الرسمية على الفئات المتوسطة بشكل خاص التي طالما شكلت القاعدة الإيديولوجية لنظام بورقيبة ونظام بن علي الذي وقّع ما تسميه بياتريس هيبو “عقد الأمن” مع الطبقات المتوسطة عبر إغراقها في إيديولوجيا “الرفاه” و”الإستهلاك” في مقابل “الصمت” وإعطائه الشرعية الممكنة، وهذا ما حصل فعلاً بشكل أو بآخر.
ذلك العقد لم يصمد تحت وطأة إكراهات منطق السوق النيوليبرالية، ولكن الأمر تعمّل أكثر بعد 2011. فجزء من الطبقات المتوسطة وجد نفسه أمام مفارقة مؤلمة تتمثل في كون نسقها القيمي، و”الإيتوس” الطبقي الذي يتحرك فيه أفرادها (غالبيتهم من الموظفين والتجار الصغار)، بات مرتبطاً بقيم الإستهلاك والرفاه والاستحقاق في حين أنّ المقدرة الشرائية تتدهور، ولم يعد للمصاعد الإجتماعية التي تضمن لها الحراك، بخاصة المدرسة، من شرعية، ما يجعلها تكابد بكل الطرق الممكنة كي لا تتدحرج إلى القاع (من قبيل الدروس الخصوصية مثلاً بالنسبة لأساتذة التعليم الثانوي، والعمل في مهن ليبرالية صغيرة بعد “الدوام” بالنسبة للموظفين العموميين، بل وحتى الانخراط في تجارة الشارع التي تقوم على ترويج السلع  المهربة).
ما يهم الطبقة المتوسطة في تونس، الآخذة في التآكل، هو الحفاظ على نسقها الإستهلاكي وضمان تعليم جيد لأبنائها، وهذا ما جعلها تفك تحالفاتها مع الطبقات الشعبية التي أقامتها معها بعد الثورة. فهي باتت الآن تنظر بريبة وشك، بل وعدائية، إلى الإحتجاجات الإجتماعية والإعتصامات التي تأخذ أشكالاً عنيفة أحياناً، مثل إغلاق الطرق والمواجهات مع البوليس في الأحياء الفقيرة، وليس أدل على ذلك إلا عدم الانخراط الكامل من قبل الإتحاد العام التونسي للشغل في الدفاع عن القمع الذي تتعرض له الحركات الإجتماعية التي تخرج عن آليات الاحتجاج النقابي الكلاسيكي، فالإتحاد العام التونسي للشغل هو بشكل أو بآخر جزء من النظام وأحد مرتكزاته، لذا فهو يدافع عن الطبقة المتوسطة من هذا المنطلق، وهي نفسها سليلة النظام، واحتجاجاتها، المتواترة بين الحين والآخر، تندرج في تحسين “ظروف الوجود”.
الطبقات المتوسطة كما يقول آلان كاردو هي “حالة غير مستقرة”، بل ومحكومة بالتناقض داخلها، فأعضاؤها هم إما مندحرون من البرجوازية القديمة الحالمة بالصعود من جديد أو من الطبقات الشعبية التي تعيش حالة خوف وشك من التدحرج. هي في وضعية “البين بين”، ما يجعل مفاوضاتها مع النظام دائمة، الأمر الذي يتكفل به دائماً الإتحاد العام التونسي للشغل، الوسيط الشرعي ” لمجتمع الأجرة” إذا ما تحدثنا بلغة روبار كستال، وهو مجتمع آخذ في التهاوي مع صعود مقولات العطوبية والمرونة والهشاشة المهنية، فعقود العمل الدائمة قد انتهت وعوضت بعقود عمل قصيرة الأمد وهذا ما يعمق حالة اللايقين والخوف الدائم من المستقبل. برغم ذلك، تخوض الطبقة المتوسطة في تونس صراعاتها بطرق تقليدية لا تسائل “أصل الشر” ومكامنه الأصلية، بل تدخل  في أحيان كثيرة في تماه مع النظام المهيمن إذا ما جرى التحسين في شروط الوجود. وما التوجس من الإحتجاجات الإجتماعية والتحذير الدائم من “الفوضى” والدعوة إلى “الإستقرار” إلا تعبيرة خطابية للطبقة المتوسطة ذات المنحى الليبرالي. فهي لا تريد أن تتخلى عن مزيد من الرفاه وبعض من مكاسبها القديمة التي حازت عليها في زمن بورقيبة وبن علي الذي جعلها، مثلما يلاحظ حمزة المؤدب، محور سياسات وبرامج موجهة لها كبرامج السيارة الشعبية والمساكن الشعبية والكمبيوتر العائلي. وهذه نفس الإستراتيجية التي تعتمد عليها حكومات ما بعد بن علي، إذ أعلن يوسف الشاهد منذ مدة التخفيض في أسعار السيارات الشعبية التي لم تعد الطبقة المتوسطة وفق تقديره قادرة عليها، كما نفذت وزارة التجهيز ما سمته برنامج السكن الأول الذي يعتمد على تسهيلات لتوفير السكن، وهذه “برامج ترقيعية” تعمل على مزيد من استنزاف الطبقات المتوسطة وإغراقها في التداين الإستهلاكي، فإيديولوجيا تحقيق الإستقرار الإجتماعي التي تمر عبر شراء ذمة الطبقات المتوسطة بأي طريقة كانت، لا تزال قائمة في ذهنية الحكام الجدد، وإعادة إنتاج النظام تتم عبر الإستهلاك والإستهلاك المفرط أحياناً مثلما تؤكد بياتريس هيبو (فبرغم الأزمة الإقتصادية المتمثلة خاصةً في تهاوي قيمة الدينار وإرتفاع نسبة التضخم، فإنّ معدل التطور السنوي للقروض الاستهلاكية يصل إلى 7 % مقابل تراجع الادخار الأسري بنسبة 40% ).
بالتالي، الفجوة التي تعيشها الطبقات المتوسطة بين رغبتها في تحقيق “أحلامها الاستهلاكية العولمية” وواقعها الإقتصادي المتهاوي، هي ما تنتج إحباطاتها وخيباتها التي تدفعها للإحتجاج والغضب، ولكنه غضب سرعان ما يتم إستيعابه من قبل النظام عبر “السياسات الترقيعية”، ولكن أيضاً عبر “آليات التلاعب بالعقول” و توجيه الرأي العام التي تدربت عليها جيداً وسائل الإعلام بعد 14 جانفي/كانون الثاني 2011.
توعك في الروابط الإجتماعية
التوعك الذي يصيب الطبقة المتوسطة في تونس، بفعل السياسات المتعاقبة، والمتمركزة على تراجع الدور الوظيفي للدولة أحدث “حالة لامعيارية” و”منطقة لا يقين” تجعل من الأفراد مجبرين على تدبير أمرهم بأمرهم، ما يخلق ديناميكية وحركية تجعل من البعض “يعبرون بطريقة سرية” نحو الثراء، والصعود السريع حيث التعويل على اقتصاديات الظل  وكل ما هو غير قانوني و غير مهيكل. وهذه الديناميكية نتيجة مباشرة  لتواطآت الليبرالية الجديدة والسلطة والفساد، والتي أرسيت أسسها خلال النظام السابق وتدعمت مع الديموقراطية الوليدة (وهذه مفارقة)، مما أحدث شروخات وفجوات مرّ عبرها “الأثرياء الجدد” الذين هم بصدد تحقيق مزيد من الأرباح في ظل تنامي دائرة الفقر، والخوف من المستقبل، وهذا تحول نوعي يجعلنا نتساءل عن معنى الديموقراطية في ظل مجتمعات بلا مؤسسات ولا ثقافة مواطنية راسخة.
يتم التشغيل بواسطة Blogger.